نصايح في النصح | د.حسن صنيدح العجمي

100 مشاهدة
27 ربيع الأول 1442 هـ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين

قال تعالى سبحانه {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}.
فقدم سبحانه كلمة “الخير” وهي كلمة جامعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخير ، إلا أنه قدم كلمة “الخير” ليكون مرجع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الخير.
فليس كل أمر بمعروف خيرا ، وليس كل نهي عن منكر خيرا ، بل ما غلبت مصلحته على مفسدته فهو الخير ولذلك قدمه الله وهذا من بديع البيان وبلاغة القرآن.!
فكأنه يقول لك إذا أردت أن “تتكلم” سواء تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر ، أو تنصح ، أو تجادل وتناقش = فانظر هل يؤول ذلك إلى خير أم لا ؟
والمراد بالخير هو الذي (تغلب مصلحته على مفسدته).

وهذه بعض السلبيات التي تعترض نصح الناصح:
أولا: البعض إذا نصح شفى قلوب المبتدعة ، وأحزن قلوب أهل السنة ، وأشغل شبابها بقيل وقال.

ثانيا: البعض إذا نصح ربط الخطأ بأصول سلفية وقع فيها الخطأ ، وعامة الناس لا يميزون ذلك ، فيظنون أن ذلك الخطأ كان بسبب تلك الأصول.
فضلا عن المتربصين والمتصيدين..

ثالثا: البعض إذا نصح أغرق في الذم والقدح وذكر الأوصاف القبيحة ، وأجمل في بيان الحق.
وكان يكفيه من القلادة ما أحاط بالعنق.

رابعا: التفصيل في ذكر المعايب = يفسد ولا يصلح ، ولذلك تجنبه العلماء.

خامسا: هناك كلمات أصبح لها عُرف خاص أطلقها أهل البدع يذمون بها السلفيين.
كالغلو في السلطان والغلو في الطاعة.
فمن الخطأ مجاراتهم في ذلك اللقب ؛ لأنه قد شوه معناه ، وأصبح غالب الناس لا يفهمون منه إلا الدعوة السلفية = التي تأمر بالسمع والطاعة.
وهذا على غرار قول الله تعالى{يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا}

سادسا: البعض إذا نصح ضخّم الأمر وعظّمه ، فإذا جاء التبيين والتوضيح أبهم وأجمل.
فلم يكن التبيين والتوضيح موازيا لذلك التهويل والتضخيم.

سابعا: البعض إذا انتقد الداخل السلفي = ذهب ينتقد أناسا لا معول عليهم .!
فكان الأحرى تجاوزَ هولاء بالسكوت عنهم.

الثامن: البعض إذا نصح كأنه يعرّض بالسلفية ويستعدي عليها أهل الجهالات.!
ونجزم أن إخواننا براء من ذلك إلا أن الأسلوب يخون صاحبه.

التاسع: أحيانا يخلق الإنسان لنفسه منصبا افتراضيا وكأنه هو الوصي عليه فقط.
وهذا قد يكون سببا لحدته في الرد ، وتجاوزه لمحل الإنصاف.

العاشر: الحماس الزائد في الردود على بعض الأخوة يضر ولا ينفع.
فتوضع الأمور في نصابها أفضل.

الحادي عشر: البعض إذا نصح لحماية المنهج والعقيدة أجمل ولم يفصّل ، فيترك الناس يدوكون ليلهم ما المراد ، ومن المراد؟!
والأصل في العقيدة البيان والوضوح.

الثاني عشر: البعض إذا بين بعض أخطاء إخوانه جعل ذلك شعارا له يعيد فيه ويزيد.
وهذا عكس صنيع العلماء فكان شعارهم الرد على أهل البدع.
وإذا أخطأ بعض إخوانهم بينوا ذلك ولم يقفوا عنده.

الثالث عشر: البعض إذا نصح = نصح بطريقة كأنه يثبت فيها اتهامات تثار حول السلفية من قبل خصومها.

الرابع عشر: قاعدة المصالح والمفاسد تجري في أبواب كثيرة منها النصح وتبيين الحق.
فمن أراد أن ينصح فلينظر ما المفاسد في ذلك وما المصالح؟
فليس كل حق يقال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “لا تبشرهم فيتكلوا”.

الخامس عشر: كل شيء له بديل حسن يفي بالمقصود.
فالنصح المُنتقد ممكن أن يستبدل بآخر يحصل به المراد ، ويندفع به الشر ، ولا ينفذ منه أهل البدع.
والموفق من وفقه الله.

السادس عشر: الاهتمام بطريقة النصح ، أعظم من النصح نفسه ، وأحب إلى الله.

السابع عشر: كل نصح استظهر به أهل البدع على أهل السنة ، وأشغل أهل السنة فليس بنصح.

الثامن عشر: وأنا أضرب لك مثالا في النصح النافع الذي ينفي الدواخل ، ولا يتصيد به أهل البدع ، والعكس أيضا.
معلوم أن الكلام والإغراق في صفات الله عند العامة مذموم لأنه قد لا تحتمله عقول كثير منهم ولكن يُعطون ما ينفعهم من حيث الأصول في ذلك والقواعد العامة وقد ذكر ذلك ابن تيمية وابن عثيمين.
الشاهد لو وجدنا من سلك هذا الغلو أو الإغراق في ذلك.
فلك طريقان في النصح والتحذيز من ذلك.
الأول: كما فعل ابن تيمية وابن عثيمين نصحوا وبينوا وأخرجوا ذلك في إطار نافع ، لا يفتح بابا للطعن ، ويندفع به الخطأ.

الثاني: نصح قائم بمقدمة في أهمية باب (الأسماء والصفات) وأنه حق وهذا كله في (سطرين).!
ثم ينتقل بعد ذلك إلى اتهامات متتالية تترى على هولاء وأنهم أغرقوا في الصفات ، ويتكلمون فيها ليلا ونهارا ، وفي كل مجلس حتى وقع بعضهم في التجسيم والتشبيه ……الخ في عشرين صفحة قدح وطعن وذم ، وبين كل جملتين يذكر باب (الأسماء والصفات).!
فإذا نظر الأشعري قال انظروا هذا واحد منهم أصبح يتضجر من باب الأسماء والصفات .! بل اعترف أن باب الأسماء والصفات جرهم للتجسيم والتشبيه .!
ثم يقول لك في الختام (الحمد لله الذي أظهر الحق على لسان أحدهم).
وهذا كما يصوره البعض اليوم عن السلفيين كأنهم يسبحون بحمد السلطان قائمين وقاعدين.

التاسع عشر: كثرة انتقاد إخوانك السلفيين يتحول فيما بعد إلى اتهام السلفية نفسها.

العشرون: البعض قد يشتهر في نقد إخوانه ، أكثر من شهرته في نقده لأهل البدع.
وهذا قلب للمراد.

الحادي والعشرون: أحيانا يكون الموضوع مكررا ، والكلام فيه معروفا ، وقد أشبع بيانا وتوضيحا.
فالفائدة من طرقه قليلة ، وربما ربت مفسدته على فائدته.

الثاني والعشرون: النصح مطلوب وهو من المنهج السلفي ولله الحمد.
ولكن لا تفتح بنصحك جبهة تحارب منها إخوانك.
فتكون كمن وضع سلاحا في يد عدوه.

الثالث والعشرون: أرشفة أخطاء بعض السلفيين ، ومن ثم إظهارها وتصويرها بمناهج دخيلة مستقلة تجاوز في النقد والنصح.
وخاصة أن هذه الأخطاء لصيقة بأصول سلفية صحيحة يصعب على كثير من الناس التمييز بينها ، فالإقدام على ذلك بهذه الطريقة مجازفة.

الرابع والعشرون: التوقيت المناسب للنصح مهم.
فبعض الأخوة تجده لا يخرج بنصحه وتخطئته لإخوانه إلا إذا كانت الحرب قائمة على أشدها بين الحق والباطل.
فيخرج قدحه وطعنه في إخوانه في وقت حرج ، فيفت عضد إخوانه ، ويديل الباطل على الحق من حيث لا يشعر.
حتى قال بعضهم (كأن الأمر ممنهج).
فكل مرة ينتصر فيها أهل الحق ، ويضعف فيها جانب أهل الباطل ، تجد من يخرج ويصرف الأنظار فينقل العراك من عراك سني بدعي = إلى عراك سني سني.!

ربي اصلح قلوبنا ونياتنا ، ووحد كلمة أهل الحق ، وارفع رايتهم ، وألف بين قلوبهم ، واحفظهم من مكر الشيطان ونفخه.

والله أعلم.

د.حسن صنيدح العجمي

تعليقات المستخدمين

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments