تعليق على فتوى أحد الدعاة بإباحة بعض أنواع الموسيقى | أ.د. صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي

389 مشاهدة
27 ربيع الأول 1442 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    فإنه لم يكن من هدي السلف الحرص على الإفتاء، أو الإعلان على الملأ أن خطتهم المستقبلة: الازدياد منه! إنما كانوا يعدونه ابتلاء؛ يطلبون السلامة منه ما أمكنهم.
    قال ابن حمدان الحنبلي (695هـ) رحمه الله: كان السلف من الصحابة وغيرهم يتدافعون المسائل والفتوى، وكل واحد ودَّ أن أخاه كفاه هي.
    والتجديد في الدين ليس إحداث شيء جديد؛ إنما إذا غلبت الأهواء: كان تجديدَ الدعوة إلى القديم .. الدين العتيق، والأمر الأول؛ “ما أنا عليه وأصحابي”.
  • *******
  • أثيرت مؤخرا زوبعة جديدة في شأن الغناء؛ حيث أفتى أحد الدعاة بتحريم استماع بعض دون بعض!
    فهل لذا التفريق أصل في كلام العلماء؟
    هذه جملة من كلامهم:
    قال ابن رجب -رحمه الله- في فتح الباري (2/83): (وأما استماع آلات الملاهي المطرِبة المتلقاة من وضع الأعاجم: فمحرمٌ مجمع على تحريمه، ولا يُعلم عن أحد منهم الرخصة في شيء من ذلك، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يُعتد به فقد كذب وافترى).
    فهذا ابن رجب ينقل الإجماع على التحريم مطلقا.
    وقال في كتابه نزهة الأسماع (60): (لا يُعرف عن أحد ممن سلف الرخصة فيها [آلات الملاهي]، إنما يُعرف ذلك عن بعض المتأخرين من الظاهرية والصوفية ممن لايعتد به).
    وقال النووي في روضة الطالبين (8/205): (المزمار العراقي وما يُضرب به الأوتار: حرامٌ بلا خلاف).
    ولم يستثنِ حالة؛ لا موسيقى عسكرية ولا غيرها!
    وقال ابن قدامة في المغني (12/457): (وأما آلة اللهو كالطنبور والمزمار والشَّبَّابة: فلا قطع فيه [أي: لا تقطع اليد بسرقته] .. ولنا: أنه آلة للمعصية بالإجماع).
    ولم يفرق أيضا.
    وقال البغوي في شرح السنة (12/383): (واتفقوا على تحريم المزامير والملاهي والمعازف).
    أيضا لم يستثن الشيء اليسير، أو ما لا يحرك شجنا!
    وقال الهيتمي في كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع (2/306) عن آلات المعازف: (هذه كلها محرمة بلا خلاف، ومن حكى فيها خلافا فقد غلط أو غلب عليه هواه).
    هذا طرفٌ من نقل إجماع العلماء على تحريم استماع المعازف مطلقا، دون تفريق بين قليل وكثير، أو نوع وآخر، ولو لا خشية الإطالة لسقت نقولا غيرها.
    ورحم الله ابن تيمية، حيث قال -الفتاوى 18/51-: (غيرُ العالِم لا يكون له قول، وإنما القول للعالِم .. على كل من ليس بعالِم أن يتبع إجماع أهل العلم).
    هذا عن الإجماع؛ وأما الأحاديث في تحريم المعازف فعِدّةٌ، وأوصي في الاطلاع عليها بمطالعة كتاب: تحريم آلات الطرب للألباني.
    إذن .. هل القائل بالتفريق بين أنواع المعازف “الموسيقى” له سلفٌ من السلف، أو قدوة من الأئمة؟!
    وهل يسوغ أن يُرمي بإجماع العلماء عرض الحائط؟!
    أنحن أورع من ابن عباس رضي الله عنهما حين قال قولا صريحا فصيحا: (الدف حرام، والمعازف حرام، والكوبة حرام، والمزمار حرام) أخرجه البيهقي10/222 بسند صحيح.
    هل فات الفقيه الورِع ابن عباس أن ينبه إلى أن استماع نصف دقيقة من مزمار: لا يستطيع تحريمه!
    أو أن طنطنة يسيرة بالكوبة -تشبه العود- يتورع عن منعها!

*******

  • ويجدر التنبيه ههنا على أن بعض المتصدرين للفتوى يخلطون في تعليل الأحكام بين العلة والحكمة.
    فالحكمة: علةُ العلة، ولا تُعلق بها الأحكام عند الجمهور -وهو الحق-؛ لأنها لا تنضبط.
    وعودا على بدء: صاحب الفتوى الجديدة في الموسيقى: علّل إباحة بعض أنواعها بدعوى أنها لا تحرك الغرائز!
    فيقال: هذه حكمة؛ ولا تعلق بها الأحكام .
    ويمكن -طردا على هذا- أن يقال: الغناء الرياضي لا يحرك الغريزة فيجوز!
    والغناء عن الأمومة والصداقة .. إلخ: جائز أيضا!
    بل لو قال قائل: غناء المغنيات الماجنات لا يحرك فيّ ساكنا: للزم إباحته له!
    ولو سلكنا هذا المسلك وطردناه في أبواب أخرى: فلنمنع قصر الصلاة غالبا؛ لعدم وجود الحكمة: زوال المشقة!
    وهلم جرّا في مسائل كثيرة؛ فأي سقطة كهذه؟!

*******

  • ختاما .. أوصي نفسي وإخواني أن نرفق بأنفسنا والمسلمين
    فالعامة قد أصابهم من التخبط -جراء أمثال هذه الفتاوى- ما الله به عليم.
    ولنضبط اجتهاداتنا بمنهج السلف وفقه الراسخين.
    ولنأخذ أنفسنا بوصية ثمينة للإمام أحمد رحمه الله: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام).

أسأل الله أن يرزقنا التوفيق والهدى والسداد.

 

وكتبه: أ.د. صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي

تعليقات المستخدمين

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments