حكم الذبح أمام المسجد | د.حسن صنيدح العجمي

129 مشاهدة
27 ربيع الأول 1442 هـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وآلاه.

فما حصل من ذبح عند المسجد الكبير -أرى والله أعلم- أن فيه محاذير شرعية وهي كالتالي:
المحذور الأول : أنه تقرب لله (بذبح) في غير ما وردت به الشريعة.
وقد ذكر أهل العلم بأن التقرب لله بالذبح لا يكون إلا فيما شرعه الله .
وذلك للقاعدة المشهورة (الأصل في العبادات المنع).!
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد”. وقوله (أمرنا) أي في ديننا.
والذبح من الدين ، وما حصل لم يكن عليه عمل النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا سلف الأمة.

قال الشيخ ابن عثيمين في منظومته:
والأصلُ في الأشياءِ حِلٌّ وامْنَعِ *** عبادةً إلا بإذنِ الشارعِ
وقال رحمه الله: “فلو أن إنساناً تعبّد لله – تعالى – بعبادة لم يشرعها الله كانت العبادة باطلة، سواء كانت لم تشرع من أصلها، أو شرعت على وجه آخر، وأثبت هو لها سبباً غير ثابت شرعاً، فإنها مردودة عليه”.

حتى لو كان الشيء في ظاهره خيرا أو نفعا ، إلا أن التمسك بالسنة هو الخير كله والنفع كله.
عن سعيد ابن المسيب أنه رأى رجلا يكرر الركوع بعد طلوع الفجر فنهاه سعيد عن ذلك، فقال: يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا ، ولكن يعذبك على خلاف السنة”.!

وذلك لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع بعد طلوع الفجر ولا عن الصحابة إلا سنة الفجر.
ولما رأى ابن مسعود رضي الله عنه الذين يسبحون بالحصى في المسجد قال لهم: “والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو مفتتحوا باب ضلالة”؟! فقالوا ما أردنا إلا الخير.! فقال : “كم مريد للخير لم يبلغه”.!

والذبائح المشروعة معلومة لديكم كالأضاحي والعقيقة وغيرها مما ورد فيها النص، وما عدا ذلك فلا يجوز كما قاله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: “هذا إذا حصل للإنسان نعمة فإنه يشرع له أن يسجد سجود الشكر ولا بأس أن يتصدق أو أن يعتق أو ما أشبه ذلك من أجل شكر الله تعالى على هذه النعمة وأما الذبح فقد سبق لنا أن التقرب إلى الله بالذبح لا يجوز إلا في وقته وهو والذي يتقرب به إلى الله من الذبح أربعة أنواع الذي يتقرب به يتقرب بالذبح فيه أربعة أنواع الأضاحي والهدي والفدية والعقيقة هذه يتقرب إلى الله تعالى بذبحها وأما ما عدا ذلك فلا “.
بل ذكر الشيخ رحمه الله أن التقرب لله بالذبح في غير هذه الأنواع ابتداع في الدين قال رحمه الله”إن ذبحها تقربا إلى الله بذبحها كان بدعة”.
وقد ذهب لذلك الشيخ الاألباني -رحمه الله-: “تخصيص الشكر لله بهذه الذبيحة كما جرت العادة لا أصل لها”.

المحذور الثاني: تخصيص المسجد الكبير بذلك.
ومعلوم أن تخصيص العبادة بمكان معين أو زمان معين لا يصح إلا بدليل.! وقد ذكروا في ذلك قاعدة (تقييد ما أطلقه الشارع بدعة).
وقصد تخصيص المسجد بالذبح ظاهر من وجوه:
1-كلفة النقل لذلك المكان.
2-كون المكان أمر معظم.
3-عدم ذبحها في المسلخ مع أنه أيسر وأسهل.
4-عدم التصدق بثمنها مع أنه أيسر عليهم وأنفع للفقراء.
5-إشهار ذلك وإعلانه.
وحتى لو تخلف القصد ، فالعمل إذا كان ظاهرا في القصد يُمنع ، وإن لم يكن ظاهرا فيه إلا أنه شُهِرَ فِعلُه بين الناس وانتشر فيمنع أيضا ، فكيف إذا اجتمع ذلك كله ((فهو ظاهر في القصد وشائع بين الناس)) .!
فمن عرف مذهب السلف وتعاملهم مع المحدثات لا يطمئن قلبه لذلك ، ولا يحسنها .!

ويزيد الأمر خطورة بأن التخصيص إذا زامن وقتا معظما أو مكانا معظما كان انتشار البدعة فيه أسرع وأقوى في قلوب العامة.
ولذلك كان أكثر ما تنتشرت فيه البدع عن طريق (المعظمات) (الأوقات ، الأماكن ، الشخصيات).!
فاحذر وانتبه : فإذا رأيت (حَدثاً) في أمر معظَّم فإنه أولى بالمنع من غيره.

المحذور الثالث: أن ذلك وسيلة إلى الإحداث في الدين.
فما حصل قد يكون ذريعة مفضية إلى اعتقاد كثير من العوام بأن ذلك من الدين ، فربما صيروها بعدُ من الدين.
فتجد من اراد منهم أن يشكر الله لرفع بلاء عنه أو لحصول نعمة له ذهب بذبيحته أمام المسجد وأراق دمها ، فأصبحت سنة مسنونة.!
قال العلامة عبد اللطيف كما في الدرر: “أن سد الذرائع وقطع الوسائل، من أكبر أصول الدين وقواعده، وقد رتب العلماء على هذه القاعدة من الأحكام الدينية، تحليلا وتحريما، ما لا يحصى كثرة، ولا يخفى أهل العلم والخبرة”.
وقال الأوزاعي :”اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم”.

ولا استبعد أن توسع هذه الدائرة حتى تدخل في كثير العبادات ، فإن النار من مستصغر الشرر ، فيلتبس على الناس أمر دينهم ، وحينها لو أنكرت عليهم ما قبلوا منك.

المحذور الرابع: إظهار وإشهار الذبح.
وهذا فيه تشبه بشعيرة الأضاحي ، ولا آمن أن تنقلب مع مرور الزمن إلى نسك مكاني كما أن الأضحية منسك زماني.

المحذور الخامس: أن فيه تقحُّم لأمر مشتبه فيه مع وجود البديل .!
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”. اذكر كلام بن عبد البر تتيقن حلال
وقد قال ابن عبد البر: (لا يحل لأحد أن يقدم على عمل حتى يعلم أنه جائز).
وكثير من هولاء يقدمون بلا دراسة للمسألة أو مباحثتها ، بل يقدمون بمجرد أن يكون العمل في ظاهره خيرا.!

المحذور السادس: ما قد يحف المسألة من أنَّ الذبح قد يكون لرفع بلاء أو تقربا للجن أو غير ذلك مما يُفعل عند نزول المصائب.
وإذا كان هذا واردا فإن المنع منه متحتم .
وقد منع بعض أئمة الدعوة من الذبح عند المريض وإن كانت نيته من أجل الصدقة لأن هناك من كان يفعل ذلك تقربا للجن ، فمنع من ذلك مطلقا سدا للذريعة.
قال العلامة سعد ابن عتيق: “فاعلم: أن من الناس من يذبح عند المريض لغير مقصد شركي، وإنما يقصد بالذبح التقرب إلى الله بالذبيحة والصدقة بلحمها، ولا يخفى أن قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الشرك تقتضي المنع من فعل ذلك والنهي عنه، لأن ذلك ذريعة لفعل الشرك، لما قد عرفت أن كثيرا من الناس يذبح عند المريض لقصد التقرب إلى الجن ولكن يخفي قصده خوفا من العقوبة، وبعضهم يبين قصده لإخوانه من شياطين الإنس”.

فالزموا السنة فهي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ، فقد تم الدين وكمل .
قال ابن مسعود :” اتبعوا ولا تبدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة ”

ونقول إن شريعتنا قد جعلت متسعا ونوعت في العبادات ، فاشكر الله (بما وردت به الشريعة ، ونوَّعَ فيه الشارع) ولا تحاصر نفسك بالبدع والمشتبهات فإنها بئس القرين .!
وقل كما قال الإمام مالك -رحمه الله- لرجل أراد أن يحرم قبل ذي الحليفة فقال له: “لا تفعل ، فإني أخشي عليك الفتنة ، فقال : وأي فتنة في هذه ؟ ! وإنما : هي أميال أزيدها ! قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! إنى سمعت الله يقول : (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
اخواني في الآونة الأخيرة كثرت الدعوات وارتفعت الأصوات في تحسين أمر الطائفة الصوفية وارتكزت جهودهم على إدخال البدع في عبادات الناس ولا يخفاكم ما حصل منهمفي هذا الوباء ، فانتبهوا لذلك فإن الوقاية خير من العلاج.

تنبيه: استشكل بعض الأخوة كالذبح للضيف ، أو الذبح للتصدق على الفقراء باللحم شكرا لله ، أو غير ذلك؟!
وليس في هذا إشكال ، فإن مثل هذا جائز بل فيه أجر وثواب لأن المقصود هو التصدق باللحم.
فهو داخل في عموم الصدقات والإحسان.
وإنما المسألة المطروحة والتي ذكر العلماء أنها لا تشرع إلا فيما وردت به النصوص -كالأضاحي والهدي والعقيقة- إنما هي فيمن تقرب إلى الله بإراقة الدم أصالة.
وأما من ذبح يقصد بذلك توزيع اللحم فهذا جائز ولا إشكال فيه.
حتى قال الشيخ ابن عثيمين أن من نذر أن يذبح لله لذات الذبح فليس له أجر ، وهو بالخيار إن شاء وفى بنذره وإن شاء كفر كفارة يمين ، للقاعدة عند الشيخ أن النذر في الشيء المباح كفارته كفارة يمين ولا يلزمه.
قال الشيخ ابن عثيمين بعد أن ذكر ما وردت به النصوص من الذبح: “وما عدا ذلك فإنه لا قربة فيه في ذبحه أبدا حتى لو نذر إنسان أن يذبح شاة فإنه ليس له أجر الذبح لكن له أجر الصدقة بلحمها فهو كما لو اشتراها من السوق يعني كما لو اشترى لحما من السوق وتصدق به فالأشياء التي يتقرب بها إلى الله بالذبح هي ثلاثة”.

حتى وليمة العرس ليس له أجر في ذات الذبح بل الأجر هو في اللحم .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “أما وليمة النكاح فهي كغيرها يقصد بها الفائدة من أكلها فقط”.!
وهذا التفصيل مهم ، وجميل ، وتنجلي به الإشكالات.

والعلماء إنما نصوا على ذلك ، لأن كثيرا من الناس يفعل ذلك تقربا بالذبح نفسه ، بل بعضهم ربما جعل نيته تقربا إلى الأولياء والجن والموتى وربما أخفى ذلك كما ذكر بعض أئمة الدعوة.
قال العلامة سعد ابن عتيق: “وقد حدثني من لا أتهم: أن من هذا الجنس من أتى إلى مريض زمن، وأشار بأن يذبح عنده ذبيحة، ثم لما تفرق الناس عنه، ولم يبق عنده إلا ذلك الرجل، الذي حدثني، أسر إليه وأشار: أن الذبيحة لغير الله; وبذلك يعلم: أن المتعين النهي عن الذبح عند المريض، وإن حسن قصد الفاعل، سدا لباب الشرك، وحسما للذرائع، والمواد التي تجر إليه”.

والخلاصة:
1-أن مجرد التقرب لله بالذبح لا يكون إلا فيما وردت به النصوص وهو أربعة أشياء.
2-التقرب لله بالذبح في غير ما ورد به النص بدعة
3-تخصيص مكان معظم للذبح بدعة
4-سد الذرائع في باب الشرك والعبادات سنة مسنونة.
5-الحفاظ على عقائد الناس من البدع واجب.

تعليقات المستخدمين

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments